محمد أبو زهرة

3951

زهرة التفاسير

لأي آية غير ذلك التحدي المعجز ، ولأجل ذلك بين الله سبحانه وتعالى مقام القرآن في ذاته ، وأنه أغلى كلام في الوجود ، ولو أن كلامه يسير الجبال لسيرها ، ولو أن قرآنا يقطع الأرض أجزاء لقطعها ، فقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً . جاء في السيرة النبوية أن نفرا من كفار قريش ذهبوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يتحدونه فيهم أبو جهل ، وعبد الله بن أمية ، فقال عبد الله : إن سرك أن نتبعك سيّر لنا جبال مكة بالقرآن فادعها عنا حتى نتفسح فإنها أرض ضيقة ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ؛ حتى نغرس ونزرع فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حين سخر الجبال تسير معه ، وسخر لنا الريح لنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا ونواتجنا ، ثم نرجع من يومنا ، فلقد كان سليمان سخرت له الريح كما زعمت ، فلست أهون على ربك من سليمان بن داود ، وأحي لنا قصى بن كلاب جدك ، أو من شئت أنت من موتانا ، فعيسى كان يحيى الموتى ، ولست أهون عند الله من عيسى ابن مريم . ولقد حكى القرآن الكريم فيما تكون من قبل عنهم مثل ذلك فقد قالوا : . . . لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً . . . ( 92 ) [ الإسراء ] إلى آخر ما تلونا . وقد نزلت هذه الآية الكريمة : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ، ولا نقول : إن أقوالهم التي رواها القرآن الكريم عنهم أم التي روتها كتب السنة هي السبب في نزول هذه الآية كما ذكر في أسباب النزول ، أم أن الآية الكريمة جاءت لتحقيق معنى في القرآن لا يوجد في غيره من الأمور الخارقة للعادة ، فالآية الكريمة تبين أن القرآن أعلى من